ملا محمد مهدي النراقي
32
جامع السعادات
افترسته السباع ، وبعضهم مات في الأوحال ، وبعضهم هلك من الندامة والحسرة والغصة . وأما من بقي على شاطئ البحر فمات جوعا ، وأما من وصل إلى المركب مثقلا بما أخذه ، فشغله الحزن بحفظها والخوف من فوتها وقد ضيق عليه مكانه ، فلم يلبث أن ذبلت ما أخذه من الأزهار ، وعفنت الثمار ، وكمدت ألوان الأحجار ، فظهر نتن رائحتها ، فتأذى من نتن رائحتها ولم يقدر على إلقائها في البحر لصيرورتها جزءا من بدنه ، وقد أثر فيه ما أكل منها ، ولم ينته إلى الوطن إلا بعد إحاطة الأمراض والأسقام عليه لأجل ما لم ينفك عنه من النتن ، فبلغ إليه سقيما مدنفا ، فبقي على سقمه أبدا ، أو مات بعد مدة . وأما من رجع إلى المركب بعد تضيق المكان ، فما فاته إلا سعة المحل ، فتأذى ، بضيق المكان مدة ، ولكن لما وصل إلى الوطن استراح ومن رجع إليه أولا ووجد المكان الأوسع فلم يتأذ من شئ أصلا ووصل إلى الوطن سالما . فهذا مثال أصناف أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة ، ونسيانهم وطنهم الحقيقي ، وغفلتهم عن عاقبة أمرهم . وما أقبح بالعاقل البصير أن تغره بأحجار الأرض وهشيم النبت ، : مع مفارقته عند الموت وصيرورته كلا ووبالا عليه . فصل عاقبة حب الدنيا وبغضها إعلم أنه لا يبلغ مع العبد عند الموت إلا صفاء القلب ، أعني ظهارته عن أدناس الدنيا وحبه لله وأنسه بذكره ، وصفاء القلب وطهارته لا يحصل إلا بالكف عن شهوات الدنيا ، والحب لا يحصل إلا بالمعرفة ، والمعرفة لا تحصل إلا بدوام الفكرة ، والأنس لا يحصل إلا بكثرة ذكر الله والمواظبة عليه ، وهذه الصفات الثلاث هي المنجيات المسعدات بعد الموت ، وهي الباقيات الصالحات . أما طهارة القلب عن أدناس الدنيا ، فهي الجنة بين العبد وبين عذاب الله ، كما ورد في الخبر : " إن أعمال العبد تناضل عنه ، فإذا جاء العذاب من قبل رجليه جاء قيام الليل يدفع عنه ، وإذا جاء من قبل يديه جاءت الصدقة تدفع عنه . . . " الحديث .